الجمعة، 29 مارس 2013

إله القرابين عند الأمازيغ : bouysgar


تعني كلمة بويسكار ( ينطق الكاف : g ) صاحب (بو) القرابين (ئيسكار)، ولا يحيد هذا المعنى عن دلالته التداولية في الأوساط الجنوب شرقية للمغرب،خاصة وأن
"بــو" تستعمل في الأمازيغية للتعبير عن الملكية للمذكر المفرد، في مقابل "أيت" للجمع، و "مّْ" المضعفة والساكنة، للمؤنث المفرد، و "إسْتّْ" للمؤنث الجمع، وبـوإيسكار طقس ديني، بالمعنى السوسيولوجي لـ" الديني" عند إميل دوركهايم.
يتجلى هذا الطقس في شكلين من الأشكال الشعائرية لقبائل الجنوب الشرقي المغربي وجنوب المغرب عموما وهما:
1. أعمال السحر والتكهن من لدن العجائز والفقهاء.
2. الطقوس الاحتفالية للقبيلة لتقديم القرابين من خلال صناعة الفرجة.
وتتعلق بـ "بويسكار"، مجموعة من العناصر، تشكل شكلا تواصليا ظاهريا، لعمق تواصلي ديني دفين في الطقس، وتفاعلات أجزائه، وأهم هذه العناصر:
المصدر: وهو المعدّ للقرابين (ئيسكار)، وقد يكون هذا المعد امرأة عجوزا، تستشفي النساء من بركتها، وتحمل هذه العلاقة طابعا كهنوتيا، وقد يكون (المعد) فقيها بحيث تتنازل المرأة العجوز للرمز الديني الجديد (الفقيه)، ويختلط الاستشفاء الديني الجديد(القرآن)، بالاستشفاء القديم ( الكهنوت)، وقد يتنازلان معا، للقبيلة في حفل جماعي تشارك فيه فعاليات القبيلة الفنية جميعها.
الوسيلة: وهي المادة الأساسية للقربان و تختلف هده المادة بين الاْْستشفاء الكهنوتي الخاص بالعجائز وبين الاستشفاء الديني المختلط بين القرآن و الكهنوت، وبين الطقس الجماعي (الاحتفال)، أما في الأول، فيكون الأمر متعلقا بمجموعة من العناصر الطبيعية نذكر منها: بيض الدجاج، أوراق الحناء (الريحان)... و أما في الثاني فيكون الأمر هذه العناصر نفسها، مع شروط أخرى يفرضها الفقيه على المستشفي. أما في الشكل الثالث، فتعطى بقايا الأضاحي - ذبائح عيد الأضحى- وبقايا الأجهزة الفخارية المكسرة، خاصة تلك التي تخزن فيها الألبان والدهون.. بالإضافة إلى الجلود والقرون، وغيرها من بقايا الأكل.
الرموز التي تقدم لها هذه القرابين: تقدم خذه العطايا لمجموعة من العناصر الطبيعية وهي في مجملها نباتات أو أشجار، خاصة شجرة الدفلى المسماة أليلي، في الشكلين الأول والثاني أو شجرة السدرة، المسماة أزكار:AZGGUAR، في الشكل الثالث. يمكن قراءة هذا الطقس في سياق ربط الاتصال بالقوة الغائبة، طلبا للشفاء (الشكلان 1و2)، أو طلبا لتحقيق غايات أكبر (التزويج، تفريج الكرب ودفع اللعنة، وتحقيق الرضا)، بحيث يعتقد المتقربون أن هذه العظام ستجمع في يوم القيامة، وتصبح كبشا في حجم الخيول، ويركب عليها للدخول إلى الجنة، كما أن تقديم هذه البقايا لهذه "السدرة" أو شجرة الطلح يجلب الرضا للمتقربين فيستجاب لهم متى طلبوا الغيث أو الرزق أو تفريج الكرب والغم وغير ذلك..
تركيب: مفارقة الاختفاء والظهور: إن المفارقة الكبرى التي ينطوي عليها هذا المسمى بويسكار، أنه يفترض نوعا من السرية في الشكلين الأول والثاني، بحيث توضع تلك الأشياء المتقرب بها خفية، تحت نبتة شوكية، أو شجرة، وتزار خفية لمتابعة العلامات التي أشار إليها الفقيه، أو تلك التي تحدثت عنها العجوز الحكيمة، وتوجد غاية وراء هذا التخفي، كالحفاظ على سر الكاهنة، أو سر الفقيه، لئلا تفسد القرابين، لأن فسادها يعني بالضرورة الحاجة إلى قرابين أخرى، كما أن الحفاظ على السر يحفظ هذه القرابين من الضياع، ويجلب البركة والشفاء من القوى الغيبية. لكن شكلا مغايرا، كذلك الذي يهيئ إليه من لدن نساء البلد – قرية امسيسي في الجنوب الشرقي مثلا- يشكل تعبيرا حرا وفنيا، وتنخرط فيه الأسر، كأنه طقس يومي إذ تجمع العظام وأجزاء الأشياء المكسرة، انتظارا لموعد بويسكار، كي تقدم لشجرة السدرة، في حفل جماعي مركب، يحمل في تشكله مزيجا من الطقوس الجنائزية المقدمة في حلة عرس واحتفال بهيج، تختلط فيه التضرعات والأشعار والتعبيرات الجسدية، في زمان ومكان معينين، هما بخد عيد الأضحى، وحول الشجرة المعروفة، تحقيقا لطقس جماعي.
يعتبر بويسكار bouysguar، بهذا المعنى إله القرابين عند الأمازيغ، ويساعد البحث في تفاصيله الباحث لفهم مجموعة من التعبيرات الفنية الأمازيغية، كـ " بيلماون" ، وخوقشبو، و الموسنت، و كناوة وغيرها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق